منتدى الاصدقاء

منتدى الاصدقاء

اهلا وسهلا بالزائرين والاعضاء الكرام فى منتدى الاصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصوربحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الخلاصة في علوم البلاغة تأليف الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود /الجزء الاول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوعلاوى
نائب المدير العام
نائب المدير العام
avatar

رقم العضويه : 3
عدد المساهمات : 48
تاريخ التسجيل : 02/08/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: الخلاصة في علوم البلاغة تأليف الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود /الجزء الاول   الجمعة أغسطس 06, 2010 8:43 am


الخلاصة في علوم البلاغة
تأليف
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين ، والصلاةُ والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ البلاغةَ كما هو معلوم - مطابقةُ الكلام لمقتضى الحقيقة ، وهي لبُّ العربية ، وقد وُضعتْ لخدمة القرآن الكريم وكلام النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً، ولخدمة علوم العربية عامةً.
وهذا الكتابُ عبارةٌ عن خلاصةٍ لعلوم البلاغة العربية ، لخَّصتها وهذبتْها من كتب البلاغةِ المعتمدة مباشرة
وكتبُ البلاغةِ وخاصة المعاصرةَ - منها (على أهميتِها) لا تخلو من الملاحظاتِ التالية:
"قد ذُكرتْ كثيراً من الآيات القرآنيةِ دون النصِّ على أنها آيةٌ ، وبدونِ تشكيلٍ
"وكذلك الأحاديثُ النبوية ، بل نُسبت بعض الأحاديث المختلقة للرسول صلى الله عليه وسلم مثل: (الدينُ المعاملة ُ).
"وكذلك كثيرٌ من الأبياتِ الشعرية إمَّا فيه تحريفٌ في النصِّ أو عدمِ العزو لقائلهِ أو عدمِ تشكيلهِ ، أو الاقتصارِ على جزءٍ من البيتِ.
"كثرةُ الأخطاء المطبعيةِ في الكتب التي وضعت على النت. . . .
والجديدُ في هذا المختصر:
1. فيه لب ُّ البلاغة العربية من بيان ومعاني وبديع ، أكثر من كتاب البلاغة الواضحة بكثير
2. الابتعادُ عن الاستطراد والحشوِ
3. تدقيقُ جميع الشواهد ، فالآية ُالقرآنية ُرجعت فيها للقرآنِ الكريم وعزوتُها لمكانها من القرآن الكريم ، والحديثُ الشريفٌ رجعتُ فيه لكتب الحديث لضبطهِ والتأكدِ من صحته ، والذي ليس بحديثٍ ميزتهُ عن الحديث ، وقمتُ بتدقيقِ الشواهدَ الشعريةِ كاملةً ، وذلك بالرجوع لمصادرها ، وعزو المعروفِ منها لصاحبهِ ، وكذلك فعلتُ في الأمثال.
4. الإتيانُ بالشواهد كاملةً قدرَ الإمكان ، ليعرفَ المعنى العام للشاهد وخاصةً القرآن الكريم
5. تشكيلُ ما يحتاجُ لتشكيل ٍ ، مع تشكيلِ كافة الآياتِ القرآنية والأحاديثِ النبويةِ.
6. وضعُ أسئلةٍ بنهايةِ كلِّ بحث عنه.
هذا وقد قسمته إلى أربعة أبواب وخاتمة:
البابُ الأول المدخلُ إلى علم البلاغة
الباب الثاني - علم المعاني
البابُ الثالث - علمُ البيانِ
الباب الرابع - علم البديع
خاتمةٌ - في السَّرقاتِ الشعرية وما يتبعها
وتحت كلِّ باب منها أبحاث عديدة
وهذا الكتاب يتضمن المقررُ في المدارس الشرعية وكثير من الجامعات العربية وغيرها، وسوفُ يجدونه بإذن الله تعالى سهلاً ممتعا.
لذا أرجو من الله تعالى أن ينفعَ به كاتبه ، وقارئهُ وناشرهُ في الدارين.
قال تعالى على لسان النبي شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) [هود/88]}
وكتبه:
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 29 جمادى الأولى 1427 هـ الموافق 26/6/2006 م
وعدل تعديلا جذريا بتاريخ 25 جمادى الأولى 1428 هـ - الموافق ل 10/6 /2007 م
البابُ الأولُ
المدخلُ إلى علم البلاغة
* علمُ البلاغةِ:
إنَّ الأساس الذي بنيتْ عليه البلاغةُ هو أولاً دراسة القرآن الكريم في التعبير ،ومقابلتِها بأساليب البلغاءِ وكذلك السُّنة النبوية ثانيا لتوضيح كلامِ أبلغِ الخلق صلى الله عليه وسلم ، ثم انتقلتْ للكلام عن بلاغة الشِّعر خاصةً والنثر ِعامةً في كلام العربِ الأقحاحِ.
* أساسُ علم البلاغة:
يقومُ علم البلاغة على أساسين هما:
(أ‌) - الذوقُ الفطريُّ الذي هو المرجعُ الأول في الحكم على الفنون الأدبية ، فيجدُ القارئُ أو السامع في بعض الأساليب من جرسِ الكلمات وحلاوتها ، والتئام التراكيب وحسنِ رصفها - وقوةِ المعاني وسموِّ الخيالِ ما لايجدُ في بعضها الآخر ، فيفضلُ الأولى على الثانية.
(ب‌) - البصيرةُ النفَّاذةُ ، والعقلُ القادر على المفاضلة والموازنة والتعليلِ ،وصحةِ المقدمات ، لتبنَى عليها أحكامٌ يطمئنُ العقل إلى جدارتِها ، ويسلِّمُ بصحَّتِها
* نشأة ُعلمِ البلاغة:
هناكُ اختلافٌ كبير في هذا الصدد؛ فمنهم من يقولُ: واضعُ علم البلاغة هو الجاحظُ وخاصة في كتابه القيِّمِ البيانُ والتبيينُ ، وقيل: هو الجرجاني المتوفى 471 هـ بكتابيه دلائل الإعجازِ وأساس البلاغة
وقيل: هو ابن المعتزِّ المتوفى 296 هـ بكتابه البديع ، وقيل: السكاكيُّ بكتابه المفتاح. . .
* الغايةُ منَ البلاغة:
تأديةُ المعنى الجميل واضحاً بعبارةٍ صحيحة فصيحة ٍ،لها في النفس أثرٌ ساحر ٌ،مع ملائمة كلِّ كلامٍ للموطنِ الذي يقال فيه ، والأشخاصُ الذين يُخاطَبون.
* عناصرُ البلاغةِ:
هي لفظٌ ومعنًى ، وتأليفٌ للألفاظ يمنحُها قوةً وتأثيراً وحسناً ، ثم دقةٌ في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه ،و موضوعاته ،وحال السامعين ، والنزعةِ النفسية التي تتملكهم ،و تسيطرُ على نفوسهم.
* الهدفُ من دراسة البلاغة:
(أ‌) هدفٌ دينيٌّ ؛ يتمثل في تذوق بلاغةِ القرآن الكريم والوقوف على أسرارِ ها، وتذوقِ بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاءِ أثره فيها.
(ب‌) هدفٌ نقديٌّ أو بلاغيٌّ ؛ يتمثلُ في التمييز بين الجيد والرديء من كلام العرب شعراً ونثراً.
(ت‌) هدفٌ أدبيٌّ ؛ يتمثل في التدريب على صناعةِ الأدب،وتأليف الجيد من الشعر والنثر
* أقسامُ علمِ البلاغةِ:
ينقسمُ علمُ البلاغة إلى ثلاثة أقسامٍ:
(أ‌) علمُ المعاني: وهو علمٌ يعرَفُ به أحوال اللفظ العربيِّ التي بها يطابقُ مقتضَى الحال
(ب‌) علمُ البيان: وهو علمٌ يعرَف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ٍفي وضوحِ الدلالة عليه
(ت‌) علمُ البديع: وهو علمٌ يعرَف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعايةِ تطبيقه على مقتضَى الحال ووضوحِ الدلالة.
**************
الفصلُ الأولُ الفصاحةُ
* تعريفُها: لغةً: البيانُ والظهورُ ،قال الله تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي. . . } (34) سورة القصص، أي أبينُ منِّي منطقاً وأظهرُ منَّي قولاً.
والفصاحةُ في اصطلاحِ أهل المعاني: عبارةٌ عن الألفاظِ البيِّنةِ الظاهرةِ, المتبادرةِ إلى الفهم, والمأنوسةِ الاستعمال بين الكتَّابِ والشّعراء لمكانِ حُسنها.
فالفصاحةُ تشملُ الكلمةَ ، والكلامَ ، والمتكلِّمَ ، فيقالُ: كلمةٌ فصيحةٌ ، وكلامٌ فصيحٌ ، ومتكلمٌ فصيحٌ.
*- فصاحةُ الكلمة ِ:
تكون الكلمةُ فصيحةً إذا كانت مألوفة َالاستعمال بين النابهينَ من الكتَّابِ والشعراء، لأنها لم تتداولْها ألسنتهُم ولم تجرِ بها أقلامُهم إلا لمكانتِها من الحُسن باستكمالها عناصر َالجودةِ ، وصفاتِ الجمالِ.
* شروطُ فصاحةِ الكلمة:
يجبُ أن تكون الكلمةُ سالمةً من عيوبٍ ثلاثة ٍ:
(أ‌) تنافرُ الحروفِ
(ب‌) الغرابة ُ
(ت‌) مخالفةُ الوضعِ
*- تنافرُ الحروفِ:
فهو ثقلُ الكلمة عند وقعِها على السمعِ وصعوبةُ أدائها باللسانِ ، نحو كالظشِّ (للموضع الخشن) ونحو: سَلِجَ (سَلِجَ اللُقْمة بالكسر، يَسْلَجُها سَلْجَاً وسَلَجاناً، أي بَلِعها) ،و كالنقنقة "لصوتِ الضفادعِ "ونحو: مستشزراتٌ "بمعنى مرتفعاتٍ "من قول امرئ القيس يصف شَعر ابنة عمه:
غَدائِرُه مُسْتَشْزَرَاتٌ إِلى العُلاَ. . . تَضِلُّ العِقَاصُ في مُثَنىً ومُرْسَلِ
فقد وَصَفها بكَثْرة الشَّعرِ والْتِفَافِه
* الغرابةُ:
هي كونُ الكلمة غيرَ ظاهرةِ الدلالة على المعنى الموضوعِ له ، وذلك لسببين:
أحدهُما أنَّ الكلمة غيرُ متداولةٍ في لغة العربِ ، فيحتاجُ لمعرفةِ معناها الرجوعُ إلى المعاجم والقواميس
مثالُ ذلك قولُ عيسى بن عمرو النَّحوي وقد سقطَ عن دابته فالتفَّ حوله الناسُ فقال:
ما لَكُمْ تَكَأْكَأْتُم عليَّ تكَأْكُؤَكُم على ذِي جِنَّةٍ ؟ افْرَنْقِعُوا عنّي
فكلمة ُ (تكاكأتم) وكلمة (افرنقعوا) غريبتان ، أي مالكم اجتَمَعْتم تنَحُّوا عنِّي
والثاني عدمُ تداول الكلمة في لغة العربِ الشائعة ، "كمسّرج" من قول رؤبة بن العجاج:
ومقلةً وحاجباً مزججا وفاحِماً ومَرْسِناً مُسَرَّجَا
فلا يعلمُ ما أرادَ بقوله "مسرَّجا" حتى اختلف أئمة اللغة في تخريجه.
*- مخالفة ُالوضعِ:
هو كونُ الكلمة ِ مخالفةً لما ثبتَ معناهُ عند علماء اللغة مثل (الأجلل) في قول أبي النجم:
الحَمْدُ لِلّهِ العَلِيُّ الأَجْلَلِ الواحد الفرد القديم الأوَّل
فإن القياس (الأجلِّ) بالإدغام، و لا مسوّغ لفكّه ،فهو يريدُ الأَجَلّ وأظْهَر التضعيف ضَرورةً
================

فصاحةُ الكلامِ
تكونُ فصاحةُ الكلامِ بسلامتهِ من عيوبٍ ثلاثة ٍهي:
(1) تنافرُ الكلماتِ
(2) ضَعفُ التأليفِ
(3) التعقيدُ
الأولُ - "تنافُر الكلمات ":
فلا يكونُ اتصالُ بعضها ببعض مما يسببُ ثقلها على السمعِ ، وصعوبةَ أدائها باللسان ، (وإن كانَ كلُّ جزءٍ منها على انفراده فصيحاً) كالشطرِ الثاني في قول الشاعر:
وَقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ وَليس قَربَ قبرِ حربٍ قبرُ
و كالشطرِ الأولِ في قول أبي تمَّام:
كَرِيمٌ مَتّى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرَى. . . مَعِي وَإذَا مَا لمتهُ لمُتهُ وَحدِي
فإنَّ في قوله أمدحُه ثقلاً ما لما بين َالحاء والهاء من تنافرٍ.
الثاني - "ضعفُ التأليفِ ":
هو خروجُ الكلام عن قواعدِ اللغة المطَّردة المشهورةِ ،كأن يكونَ الكلامُ جارياً على خلافِ ما اشُتهرَمن قوانينِ النحو المعتبرةِ عند جُمهور العلماء - كوصلِ الضميرين، وتقديمِ غير الأعرافِ منهما على الأعراف مع أنه يجبُ الفصلُ في تلك الحالةِ - كقولِ الشاعر:
جَزَى بَنُوهُ أبا الْغيْلانِ عنْ كِبَرٍ * وَحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزَى سِنِّمارُ
والعيبُ أعاد الضمير في بنوه على أبي غيلانَ وهو متأخرٌ لفظاً ورتبة ،لأنه مفعولٌ به ،ورتبتهُ التأخيرُ
وكقول حسانِ بن ثابتٍ رضي الله عنه:
وَلَوْ أَنَّ مَجداً أَخلَدَ الدَّهْرَ واحِداً. . . مِنَ النَّاسِ، أَبقى مَجْدُهُ الدَّهرَ مُطْعِما
والعيبُ فيه أنَّ الشاعر أعاد الضميرَ في مجده على مطعِم، وهو متأخرٌ لفظاً ورتبةً، لأنه مفعولٌ به ،ورتبته التأخيرُ
الثالث - التعقيدُ: وهو نوعانِ: التعقيدُ اللفظيُّ ، والتعقيدُ المعنويُّ
* التعقيدُ اللفظيُّ:
هو أن ْ يكون الكلامُ خفيَّ الدّلالة على المعنى المراد به - بحيث تكونُ الألفاظُ غيرَ مُرتبةٍ على وفق ترتيبِ المعاني.
وينشأُ ذلك التّعقيدُ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو فصلٍ بأجنبيٍّ بين الكلماتِ التي يجبُ أن تتجاورَ ويتصلَ بعضُها ببعض كقولِ المتنبي:
جفَخَتْ وهُم لا يجْفَخون بهابِهم. . . شيَمٌ على الحسَب الأغرِّ دلائلُ
أصل - جفخت (افتخرت) بهم شيمَ دلائل على الحسب الأغرِّ هم لا يجفخون بها.
ومثل: (ما قرأ إلا واحداً محمدٌ مع كتاباً أخيه) كان هذا الكلام ُغيرَ فصيح، لأن فيه تعقيداً لفظيًّا ، ولكن التعبيرَ الفصيحَ هو (ما قرأ محمدٌ مع أخيهِ إلا كتاباً واحداً).
* التعقيدُ المعنويُّ:
أن يكون الكلامُ خفيَّ الدَّلالة على المعنى المرادِ - بحيث لا يفْهم معناه إلاّ بعدَ عناءٍ وتفكيرٍ طويلٍ.
مثال ذلك قول امرئ القيس:
وأَرْكَبُ في الرَّوْعِ خَيْفَانَةً. . . كَسَا وَجْهَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ
الخيفانةُ الجرادةُ ، وكنَّى هنا عن الفرسِ الخفيفةِ ، والسعفُ المنتشرُ الشَّعرُ يكسو وجهَها فقبيحٌ
وكما في قول عبّاس بن الأحنَف:
سَأطلُبُ بُعدَ الدَّارِ عَنْكم لِتقْرُبوا. . . وَتَسْكُبُ عَيْنايَ الدُّموعَ لِتَجْمُدَا
جعلَ سكبَ الدُموع كنايةً عمّا يلزمُ في فراقِ الأحبَّة من الحُزن والكمد، فأحسنَ وأصابَ في ذلك، ولكنَّه أخطأ في جعل جمودِ العينِ كنايةً عمَّا يوجبُه التَّلاقي من الفرحِ والسُرُور بقُرب أحبتّهِ، وهو خفىٌّ وبعيدٌ - إذ لم يعرفْ في كلام العربِ عند الدُّعاءِ لشخصٍ بالسرور (أنْ يقالَ له: جُمدتْ عينُك) أو لا زالتْ عينُك جامدةً، بل المعروفُ عندهم أنَّ جمودَ العين إنّما يكنَّى به عن عدمِ البكاءِ حالةَ الحزن، كما في قول الخنساء:
أَعَينَيَّ جُودَا ولا تَجْمُدا. . . ألا تَبْكِيانِ لِصَخْرِ النَّدَى
==================
فصاحةُ المتكلَِّمِ
عبارةٌ عنِ المَلكةِ التي يقتدرُ بها صاحبُها على التعبيرِ عن المقصودِ بكلامٍ فصيح، في أيِّ غرضٍ كانَ.
فيكونُ قادراً - بصفةِ الفصاحةِ الثابتةِ في نفسه على صياغةِ الكلام، مُتمكّناً منَ التّصرفِ في ضُروبه ،بصيراً بالخوض في جهاتهِ ومَنَاحِيهِ.
00000000000000000
الأسئلةُ:
1. عرف الفصاحةَ لغةً واصطلاحا؟
2. بين ماذا تشمل الفصاحة ؟
3. متى تكون الكلمةُ فصيحةً ؟
4. عدد شروطَ فصاحةِ الكلمة وهاتِ مثالا على كل منها ؟
5. متى يكون الكلام فصيحا ؟. .
6. التعقيدُ نوعان اذكرهما وهاتِ مثالا على كل نوع ؟

***************
الفصل الثاني - البلاغةُ
البلاغةُ في اللغة (الوُصولُ والانتهاءُ) ، يقالُ بلغَ فلانٌ مرادَه - إذا وصلَ إليه، وبلغَ الركبُ المدينةَ - إذا انتهى إليها، وَمبلغُ الشيء منتهاهُ.
وتقعُ البلاغةُ في الاصطلاحِ وصفاً للكلامِ، والمتكلّمِ فقط، ولا توصفُ "الكلمةُ" بالبلاغةِ، لقصورها عن الوصول بالمُتكلَّمِ إلى غرضهِ، ولعدمِ السَّماع بذلك.
* بلاغةُ الكلامِ:
البلاغةُ في الكلامِ: مطابقتُه لما يقتضيه حالُ الخطاب مع فصاحةِ ألفاظهِ "مفردِها ومركَّبِها ".
والكلامُ البليغُ: هو الذي يُصورِّهُ المتُكلِّمُ بصورةٍ تناسبُ أحوالَ المخاطبين.
وحالُ الخطابِ "ويسمَّى بالمقامِ "هو الأمرُ الحاملُ للمتكلِّم على أن يُوردَ عبارتَه على صورةٍ مخصوصةٍ دون أخرى.
والمُقتضَى - "ويسمَّى الاعتبارُ المُناسبُ "هو الصورةُ المخصوصةُ التي تُورَدُ عليها العبارةُ.
مثلاً - المدح ُ حالٌ يدعو لإيرادِ العبارة على صورةِ الإطناب ،وذكاءُ المخاطب - حال ٌيدعو لإيرادها على صورةِ الإيجاز، فكلٌّ من المدحِ والذكاءِ "حالٌ ومقامٌ "وكلٌّ من الإطناب والإيجاز "مُقتضَى" ، وإيراد الكلام على صورة الإطناب أو الإيجاز "مُطابقة للمقُتضَى "وليست البلاغة إذاً مُنحصرة في إيجاد معانٍ جليلة، ولا في اختيار ألفاظٍ واضحة جزيلةٍ، بل هي تتناولُ مع هذين الأمرين أمراً ثالثاً (هو إيجادُ أساليبَ مُناسبةٍ للتأليف بين تلك المعاني والألفاظ) مما يُكسبها قوَّةً وجمالاً.
وملخَّصُ القول - إنَّ الأمرَ الذي يَحملُ المُتكلّم على إيراد كلامهِ في صورةٍ دون أخرى: يُسمَّى "حالاً" وإلقاءُ الكلام على هذه الصُّورةِ التي اقتضاها الحال يُسمَّى "مُقتضَى" والبلاغةُ: هي مُطابقةُ الكلامِ الفصيحِ لما يقتضيهِ الحالُ.
* بلاغةُ المتكلِّم:
هي مَلَكة في النَّفس يقتَدرُ بِهَا صاحبها على تأليف كلام بليغ: مُطابق لمقتَضَى الحال، مع فصاحتهِ في أيِّ معنًى قَصَده، وتلك غايةٌ لن يَصِل إليها إلاَّ من أحاطَ بأساليبَ العربِ خُبراً، وعرف سُننَ تخاطُبهِم في مُنافراتهِم، ومفاخراتهِم، ومديحهِم، وَهجائهِم وَشكرهِم، واعتذارهِم، لِيلَبسَ لكلِّ حالةٍ لبُوسُها "ولكلِّ مقامٍ مَقالٌ ".
000000000000000000000
الأسئلةُ:
1. عرف البلاغةَ لغةً واصطلاحاً
2. وضِّح معنى بلاغةِ الكلامِ
3. ما معنى بلاغةِ المتكلِّمِ ؟

*************

الفصلُ الثالث الأسلوبُ
* مفهومُ الأسلوبِ:
هو المعنى المَصُوغُ في ألفاظٍ مؤلَّفةٍ على صورةٍ تكون أقربَ لنيل الغرضِ المقصود من الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.
* أنواعُ الأسلوبِ: ينقسمُ الأسلوبُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: أسلوبٌ علميٌّ وأسلوبٌ أدبيٌّ وأسلوبٌ خطابيٌّ
* الأسلوبُ العلميُّ:
وهو أهدَأُ الأساليبِ، وأكثرُها احتياجاً إلى المنطقِ السَّليمِ، والفكرِ المُستقيم، وأبعدُها عن الخيال الشِّعْرِي؛ لأنه يخاطبُ العقلَ، ويُناجي الفكرَ، ويَشْرَحُ الحقائق العلميَّةَ التي لا تخلو من غموضٍ وخفاءٍ.
و أظهَرُ ميزاتِ هذا الأسلوبِ "الوُضُوحُ" ، فيجبُ أن يُعنَى فيه باختيارِ الألفاظِ الواضحةِ الصريحةِ في معناها ،الخاليةِ من الاشتراكِ، وأنْ تُؤَلَّفَ هذه الألفاظُ في سُهولةٍ وجلاءِ، حتى تكون ثَوباً شفَّافاً للمعنَى المقصودِ.
أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ العلميِّ:
1. هدفُه إظهارُ الحقائقَ وكشفِها للسامعِ أو القارئِ
2. يمتازُ بالوضوحِ والدقةِ والتحديد، والترتيبِ المنطقيِّ
3. يمتازُ باستخدام الأدلةِ والبراهينَ، والبعدِ عن المبالغة ِ
4. يمتازُ بالابتعادِ عن الخيالِ والعاطفة
5. تتخللُه مصطلحاتٌ علميةٌ متصلةٌ بالموضوع الذي يتناولهُ
* مثالُ الأسلوبِ العلميِّ:
وصفُ البركةِ في القصر:
"وفي فناءِ القصر بركةٌ كبيرة ، يزيدُ اتساعها عن مائة متر طولاً في مثلِها عرضاً، وحولَها سورٌ متوسطُ الارتفاعِ ، يستطيعُ الإنسانُ أن يجلسَ على حافتهِ ، ويرى ماءَ البركةِ الذي يتدفقُ إليها بشدةٍ من النهرِ المجاور ، وهو ماءٌ صافٍ ،لا يحجبُ قرارَ البركةِ عن العينِ ".
* نوعا الأسلوبِ العلميِّ:
1. أسلوبٌ علميٌّ بحتٌ، وهو الذي يُعنَى بعرضِ الحقائقَ العلميةِ دون انصرافٍ إلى جمالِ اللفظ، أو أناقةِ التعبيرِ.
2. أسلوبٌ علميٌّ متأدبٌ، وهو الذي يضعُ الحقائقَ العلميةَ في عبارةٍ لا تخلو من أناقةٍ في اختيارِ ألفاظِها ، وإنْ كانتْ لا تصلُ في ذلك إلى الأسلوبِ الأدبيِّ.
* مثالُ الأسلوبِ العلميِّ البحتِ:
"الثعابينُ زواحفُ معروفةٌ ، تمتازُ باستطالةِ جسمِها وخلوِّهِ من الأطرافِ ، وهيَ كثيرُ الانتشارِ في جميع أنحاءِ المعمورةِ ، ولا تخلو منها بقعةٌ في العالم إلا نيوزيلندة ، وبعضُ الأجزاء الأخرى ".
* مثالُ الأسلوبِ العلميِّ المتأدبِ:
قال الجاحظُ في كتابه الحيوان يصفُ نوعاً من الثعابينِ: "زعموا أنها إذا انتصَفَ النهارُ واشتدَّ الحرُّ في رمالِ بلعنبرِ، وامتنَعتِ الأرضُ على الحافي والمنتعلِ، ورَمِض الجندبُ، غمستْ هذه الحيّةُ ذنبَها في الرَّمل، ثم انتصبَتْ كأنها رُمحٌ مركوزٌ، أو عودٌ ثابتٌ فيجيءُ الطائِرُ الصغيرُ أو الجرادةُ، فإذا رأى عوداً قائماً وكرِهَ الوُقُوعَ على الرَّملِ لشدَّة حرِّه، وقَعَ علَى رأسِ الحيَّة، على أنّها عُودٌ، فإذا وقَعَ على رأسها قبضَتْ عليهِ، فإنْ كان جرادةً أو جُعَلاً أو بَعْضَ ما لا يُشْبعها مثلُهُ، ابتلعتْهُ وبقيتْ على انتصابِها، وإنْ كان الواقعُ على رأسِها طائراً يُشبِعها مثلُه أكلتْهُ وانصرفَتْ. . ".
* الأسلوبُ الأدبيُّ:
الجمالُ أبرزُ صفاتهِ، وأظهرُ مُمَيزاتهِ، ومنشَأُ جمالِه، لما فيه من خيالٍ رائعٍ، وتصويرٍ دقيقٍ، وتلَمُّسٍ لوجوه الشّبهِ البعيدةِ بينَ الأشياء، وإلباسِ المعنويِّ ثوبَ المحسوسِ، وإظهارَ المحسوسِ في صورةِ المعنويِّ.
*- أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ الأدبيِّ:
1. هدفُه إثارةُ عاطفةِ السامع أو القارئِ والتأثيُر في نفسه
2. يمتازُ باختيارِ الألفاظ ِوالتأثيرِ فيها
3. ويمتازُ بامتزاجِ الفكرةِ بالعاطفةِ
4. ويمتازُ بالعنايةِ بصورِ البيانِ من تشبيهٍ واستعارةٍ وكناية ٍ
5. ويمتازُ بالحرصِ على موسيقيةِ العبارةِ ، لتصوِّرَ الإحساسَ وتهزَّ المشاعرَ
* نموذجٌ من الأسلوبِ الأدبيِّ:
يقول البحتريُّ واصفاً البركةَ في قصرِ الخليفة العباسيِّ المتوكلِ:
إذا النُّجُومُ تَرَاءَتْ في جَوَانِبِهَا لَيْلاً حَسِبْتَ سَمَاءً رُكّبتْ فيهَا
لا يَبلُغُ السّمَكُ المَحصُورُ غَايَتَهَا لِبُعْدِ ما بَيْنَ قاصِيهَا وَدَانِيهَا
يَعُمْنَ فيهَا بِأوْسَاطٍ مُجَنَّحَةٍ كالطّيرِ تَنقَضُّ في جَوٍّ خَوَافيهَا
لَهُنّ صَحْنٌ رَحِيبٌ في أسَافِلِهَا، إذا انحَطَطْنَ، وَبَهْوٌ في أعَاليهَا
صُورٌ إلى صُورَةِ الدُّلْفِينِ، يُؤنِسُها مِنْهُ انْزِوَاءٌ بِعَيْنَيْهِ يُوَازِيهَا
تَغنَى بَسَاتِينُهَا القُصْوَى بِرُؤيَتِهَا عَنِ السّحَائِبِ، مُنْحَلاًّ عَزَاليهَا
كأنّهَا، حِينَ لَجّتْ في تَدَفّقِهَا، يَدُ الخَليفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيهَا
وَزَادَها رُتبةً مِنْ بَعْدِ رُتْبَتِهَا، أنّ اسْمَهُ حِيْنَ يُدْعَى من أسامِيهَا
مَحْفُوفَةٌ بِرِياضٍ، لا تَزَالُ تَرَى رِيشَ الطّوَاوِيسِ تَحكِيهِ وَتحكيهَا
وَدَكّتَينِ كَمِثْلِ الشِّعرَيَينِ غَدَتْ إحداهُمَا بإزَا الأخرَى تُسَامِيهَا
إذا مَسَاعي أمِيرِ المُؤمِنِينَ بَدَتْ للوَاصِفِينَ، فَلا وَصْفٌ يُدانِيهَا
مثالٌ آخرُ على الأسلوبِ الأدبيِّ، قالَ أميرُ الشعراء أحمدُ شوقي رحمه الله - في نهجِ البردةِ:
ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ
يا نَفسُ دُنياكِ تُخفى كُلَّ مُبكِيَةٍ وَإِن بَدا لَكِ مِنها حُسنُ مُبتَسَمِ
صَلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ فَقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ
وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعٍ وَخِمِ
تَطغى إِذا مُكِّنَت مِن لَذَّةٍ وَهَوًى طَغيَ الجِيادِ إِذا عَضَّت عَلى الشُكُمِ
إِن جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ في اللَهِ يَجعَلُني في خَيرِ مُعتَصِمِ
أَلقى رَجائي إِذا عَزَّ المُجيرُ عَلى مُفَرِّجِ الكَرَبِ في الدارَينِ وَالغَمَمِ
إِذا خَفَضتُ جَناحَ الذُلِّ أَسأَلُهُ عِزَّ الشَفاعَةِ لَم أَسأَل سِوى أُمَمِ
وَإِن تَقَدَّمَ ذو تَقوى بِصالِحَةٍ قَدَّمتُ بَينَ يَدَيهِ عَبرَةَ النَدَمِ
*- الأسلوبُ الخطابيُّ:
هنا تَبْرُزُ قوةُ المعاني والألفاظِ، وقوةُ الحجَّةِ والبرهانِ، وقوة ُالعقلِ الخصيبِ، وهنا يتحدثُ الخطيبُ إلى إرادةِ سامعيهِ، لإثارةِ عزائمهِم واستنهاضِ هممهِم، ولجمالِ هذا الأُسلوبِ ووضوحهِ شأْنٌ كبيرٌ في تأْثيره ِووصولهِ إلى قرارةِ النفوسِ، ومما يزيدُ في تأْثير هذا الأُسلوبِ منزلةُ الخطيبِ في نفوسِ سامعيهِ، وقوةُ عارضتِه، وسطوعُ حجَّتهِ، ونبَراتُ صوتهِ، وحسنُ إِلقائهِ، ومُحْكَم ُإِشارتهِ.
* أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ الخطابيِّ:
من 1 أظهرِ مميزاتِ هذا الأُسلوبِ التكرارُ، واستعمالُ المترادفاتِ، وضربُ الأمثالِ
- اختيارُ الكلماتِ الجزلةِ ، ذاتِ الرنينِ 2
- تعاقبُ ضروبِ التعبيرِ ، من إِخبارٍ إلى استفهامٍ إلى تعجبٍ إلى استنكارِ 3
- مواطنُ الوقفِ فيه قويةٌ شافيةٌ للنفسِ، واضحةً قَوِيّةً 4.
مثال على الأسلوبِ الخطابيٍّ: خطبةُ أبي بكر ٍ رضي الله عنه لمَّا بويع بالخلافة ِ بعدَ أنْ حَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ: "أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي ؛ وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي ؛ الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللّهُ وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللّهُ، لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا ضَرَبَهُمْ اللّهُ بِالذّلّ ،وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلّا عَمّهُمْ اللّهُ بِالْبَلَاءِ ،أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمْ اللّهُ ".
الأسئلةُ:
1. وضِّح مفهومَ الأسلوبِ
2. بينْ أنواعَ الأسلوبِ
3. عددْ أهمَّ خصائصِ الأسلوبِ العلميِّ
4. عددْ أهمَّ ميزاتِ الأسلوبِ الأدبيِّ
5. عدد أهمَّ خصائص الأسلوبِ الخطابيِّ
************
البابُ الثاني
في علم المعاني
المبحثُ الأول مقدمات ٌ
إنَّ الكلامَ البليغَ: هو الذي يُصورُِّه المتكلِّمُ بصورةٍ تناسبُ أحوال المخاطبين، وإذاً لابُدَّ لطالبِ البلاغة أن يدرس هذه الأحوال، ويَعرفَ ما يجبُ أن يُصَوَّرَ به كلامهُ في كل حالةٍ، فيجعلَ لكلِّ مقامٍ مقَالاً.
وقد اتفقَ رجالُ البيانِ على تسميةِ العلم الذي تُعرَفُ به أحوالُ اللّفظِ العربيَّ التي بها يُطابقُ اقتضاءَ الحال: باسمِ "علمِ المعاني ".
تعريفُ علمِ المعاني، وموضوعُه وواضعُهُ:
(1) علمُ المعاني أصولٌ وقوَاعِد يُعرَف بها أحوالُ الكلامِ العربيِّ التي يكونُ بها مُطابقاً لِمقتضَى الحال، بحيثُ يكونُ وفقَ الغَرَضِ الذيِ سِيقَ لهُ.
فذكاءُ المُخاطَب: حالٌ تَقتضي إيجازَ القول، فإذا أوَجزتَ في خطابهِ كان كلامُك مطابقاً لمقتضَى الحالِ، وغباوتُه حالٌ تقتضي الإطنابَ والإطالةَ ، فإذا جاءَ كلامُك في مخاطبتهِ مطنباً: فهو مطابقٌ لمُقتضَى الحال، ويكونُ كلامُك في الحالين بليغاً، وَلو أنكَ عكستَ لانتفتْ منْ كلامِك صفةُ البلاغةِ.
(2) وَموضوعُه - اللَّفظُ العربيُّ، من حيثُ إفادتُه المعاني الثَّواني التي هي الأغراضُ المقصودةُ للمتكلّم، من جعلِ الكلام مشتملاً على تلك اللَّطائفَ والخصوصيّاتِ، التي بها يُطابقُ مُقتضَى الحال.
(3) وفائدتُهُ:
(ا) - معرفةُ إعجازِ القرآن الكريمِ، من جهةِ ما خصَّهُ ال.
وكذلكَ معرفة أسرارِ كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فهو أبلغُ البلغاءِ ، وأفضلُ من نطقَ بالضادِ ، وذلك ليصارَ للعملِ بها ، ولاقتفاء أثره في ذلكَ.
(ب) الوقوفُ على أسرارِ البلاغةِ والفصاحةِ في مَنثورِ كلامِ العرب ومنظومِه كي تحتذيَ حذوهُ، وتَنسُجَ على منوالهِ، وتَفرِّقَ بين جَيِّدِ الكلام ورديئِهِ.
(4) وواضعه - الشيخُ (عبدُ القاهرِ الجُرجانيِّ) المُتوفَّى سنة 471 هـ
(5) واستمدادُه - من الكتابِ الشَّريفِ، والحديث النَّبويِّ وكلامِ العربِ.
===============
المبحثُ الثاني - الخبرُ
* تعريفُه:
كلامٌ يحتملُ الصدقَ والكذبَ لذاتهِ ،وإن شئتَ فقل: "الخبرُ هو ما يتحقّقُ مدلولهُ في الخارجِ بدون النطقِ به "نحو: العلمُ نافعٌ. فقد أثبتنا صفةَ النفعِ للعلم، وتلكَ الصفةُ ثابتةٌ له، سواءٌ تلفظتَ بالجملةِ السابقة أمْ لم تتلفظْ.
لأنَّ نفعَ العلمِ أمرٌ حاصلٌ في الحقيقةِ والواقعِ، وإنما أنتَ تحكي ما اتفقَ عليه الناسُ قاطبةً، وقضَتْ به الشرائعُ، وهديتْ إليه العقولُ، بدونِ نظر ٍإلى إثباتٍ جديدٍ.
والمرادُ: بصدقِ الخبر مُطابقتُه للواقعِ ونفسِ الأمر ،والمرادُ بكذبهِ عدمُ مطابقتهِ له، فجملةُ: العلمُ نافعٌ - إن كانتْ نسبتُه الكلاميَّة ُ (وهي ثبوتُ النفعِ المفهومةِ من تلك الجملةِ) مطابقةً للنسبةِ الخارجيّةِ - أي موافقةً لما في الخارجِ والواقعِ "فصدْقٌ" وإلا "فكذِبٌ" ، نحو "الجهلُ نافعٌ "فنسبتهُ الكلاميةُ ليستْ مطابقةً وموافقةً للنسبةِ الخارجيةِ
* المقاصد والأغراض التي من أجلها يُلقى الخبر
الأصلُ في الخبر أن يلقَى لأحدِ غرضينِ:
(أ) - إمَّا إفادةُ المخاطبِ الحكمَ الذي تضمنتْهُ الجملةُ، إذا كان جاهلاً له، ويسمَّى هذا النوع ُ "فائدةُ الخبرِ "نحو قولِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم "الدِّينُ النَّصِيحَةُ ".
(ب) - وإمَّا إفادةُ المخاطبِ أنَّ المتكلمَ عالمٌ أيضاً بأنهُ يعلمُ الخبرَ، كما تقولُ لتلميذٍ أخفَى عليكَ نجاحُه في الامتحانِ - وعلمتَه من طريقٍ آخرَ: أنتَ نجحتَ في الامتحانِ، ويسمَّى هذا النوعُ "لازمَ الفائدةِ "، لأنه يلزم ُ في كلِّ خبرٍ أن يكونَ المخبَرُ به عنده علمٌ أو ظَن بهِ.
وقد يخرجُ الخبرُ عن الغرضينِ السابقينِ إلى أغراضٍ أخرى تُستفادُ بالقرائنَ، ومنْ سياقِ الكلامِ.
أهمها:
(1) - الاسترحامُ والاستعطافُ، نحو: إني فقيرٌ إلى عفوِ ربِّي.
(2) - تحريكُ الهمةِ إلى ما يلزمُ تحصيلُه، نحو قول الشاعر:
سَلي إنْ جهلتِ النَّاسَ عنَّا وعنكمُ. . . وليسَ سواءٌ عالمٌ وجهُولُ
(3) إظهارُ الضعفِ والخشوعِ، نحو قولهِ تعالى على لسان النبي زكريا عليه السلامُ: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم/4]).
(4) إظهارُ التحُّسرِ على شيءٍ محبوبٍ نحو قوله تعالى على لسان أمِّ مريمَ عليها السلامُ: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران/36]).
(5) إظهارُ الفرحِ بمقبلٍ ، والشماتةِ بمدبرٍ، نحو قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) [الإسراء/81]).
(6) التوبيخُ كقولكِ: للعاثرِ: (الشمسُ طالعةٌ).
(7) - التَّذكيرُ بما بين المراتبِ من التَّفاوتِ - نحو قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} [الحشر/20 ، 21] ، ونحو قولنا: (لا يستوي كسلانٌ ونشيطٌ).
(Cool - التحذيرُ - نحو قولهِ صلى الله عليه وسلَّم: "أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ ".
(9) الفخرُ نحو قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
(10) المدحُ كقول النابغةِ في المديحِ:
فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ. . . إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ
وقد يجيءُ لأغراضٍ أخرى - والمرجعُ في معرفة ذلك إلى الذوقِ والعقلِ السليمِ.
===============
المبحثُ الثالثُ أضربُ الخبرِ
حيثُ كان الغرضُ من الكلام الإفصاحَ والإظهارَ، يجبُ أن يكونَ المتكلمُ مع المخاطَبِ كالطبيبِ مع المريضِ، يشخِّصُ حالتَهُ، ويعطيهِ ما يناسبُها.
فحقُّ الكلامِ: ، أن يكونَ بقدرِ الحاجةِ، لا زائداً عنها، لِئلا يكونَ عبثاً، ولا ناقصاً عنها، لئلا يُخِلَّ بالغرضِ، وهو: الإفصاحُ والبيانُ.
لهذا - تختلفُ صورُ الخبرِ في أساليب اللغةِ باختلافِ أحوالِ المخاطبِ الذي يعتريهِ ثلاثةُ أحوالٍ:
أولا - أنْ يكونَ المخاطبُ خاليَ الذهنِ من الخبرِ، غيرَ مترددٍ فيه. ولا منكرٍ له - وفي هذه الحالِ لا يؤكدُ له الكلامُ، لعدم الحاجةِ إلى التوكيد نحو قوله تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "[الكهف/46].
ويسمَّى هذا الضربُ من الخبرِ (ابتدائياً) ، ويستعملُ هذا الضربُ حين يكون المخاطبُ خاليَ الذهنِ من مدلولِ الخبرِ ، فيتمكنُ فيه لمصادفتهِ إياهُ خالياً.
ثانياً - أنْ يكونَ المخاطبُ متردداً في الخبرِ، طالباً الوصولَ لمعرفتهِ، والوقوفَ على حقيقته، فيستحسنُ تأكيدُ الكلامِ المُلقَى إليه تقويةً للحُكم، ليتمكَّنَ من نفسهِ، ويطرحَ الخلافَ وراء ظهرهِ، نحو: إنَّ الأميرَ منتصرٌ.
ويسمَّى هذا الضربُ من الخبرِ (طلبياً) ويؤتَى بالخبرِ من هذا الضربِ حين يكونُ المخاطبُ شاكَّا في مدلولِ الخبرِ، طالباً التثبُّتَ من صدقهِ.
ثالثاً - أنْ يكونَ المخاطَبُ منكراً للخبرِ الذي يرادُ إلقاؤهُ إليه، معتقداً خلافَهُ، فيجبُ تأكيدُ الكلامِ له بمؤكدٍ أو مؤكدينِ أو أكثرَ، على حسبِ حالهِ من الإنكارِ، قوةً وضعفاً ، نحو: إنَّ أخاك قادمٌ - أو إنهُ لقادمٌ - أو واللهِ إنه لقادمٌ، أو لعمري إنَّ الحقَ يعلو ولا يُعلَى عليهِ. وكقوله تعالى: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة/120] ،وكقوله تعالى عن النبي يعقوب عليه السلام: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف/68]
ويسمَّى هذا الضربُ من الخبر (إنكارياً) ، ويؤتَى بالخبرِ من هذا الضربِ حين يكونُ المخاطَبُ مُنكراً، واعلمْ أنهُ كما يكونُ التأكيد في الإثباتِ، يكون في النفي أيضاً، نحو: ما المقتصدُ بمفتقرٍ، ونحو: واللهِ ما المُستشيرُ بنادمٍ.
*- لتوكيدِ الخبر أدوات كثيرة، أشهرُها إنَّ، وأنَّ، ولام الابتداءِ، وأحرفَ التنبيه، والقسمِ، ونونا التوكيد، والحروف َالزائدة (كتفعل واستفعل) والتكرارَ، وقدْ، وأمَّا الشرطيةُ، وإنما واسميةُ الجملةِ، وضميرَ الفصل، وتقديمَ الفاعل المعنويِّ.
* خروجُ الخبر عن مقتضَى الظاهرِ:
قدْ تقتضي الأحوالُ العدولَ عن مقتضَى الظاهرِ، ويورَدُ الكلامُ على خلافهِ لاعتباراتٍ يلحظُها المتكلِّمُ ومنها:
(1) - تنزيلُ خالي الذهنِ منزلةَ السائلِ المترددِ، إذا تقدمَ في الكلام ما يشيرُ إلى حكمِ الخبر ،كقوله تعالى على لسان النبي يوسف عليه السلامُ: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف/53]) فمدخولُ إنَّ مؤكدُ لمضمونِ ما تقدَّمه، لإشعارهِ بالترددِ، فيما تضمنَهُ مدخولُها وكقوله تعالى مخاطبا النبي نوح عليه السلامُ: "وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) "[هود/37] ، لما أمرَ المولى "نوحاًعليه السلامُ "أوّلاً بصنعِ الفلك، ونهاهُ ثانياً عن مخاطبتهِ بالشفاعةِ فيهم، صارَ مع كونهِ غير َ سائلِ في مقام السائلِ المترددِ،هل حكَمَ اللهُ عليهم بالإغراقِ فأجيبَ بقوله تعالى: "إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ".
(2) - تنزيلُ غيرِ المنُكِر منزلةَ المنكِر: إذا ظهرَ عليه شيءٌ من أماراتِ الإنكارِ، كقول حَجَل بن نضلَة القيسيِّ "من أولادِ عَمِّ شقيقٍ ":
جاءَ شقيقٌ عارضاً رُمْحَهُ. . . إنّ بَني عمِّكَ فيهم رِماحْ
(فشقيقٌ) رَجلٌ لا يُنكرُ رماحَ بني عمّه، ولكنَّ مجيئهُ على صورةِ المعجَبِ بشجاعتهِ، واضعاً رُمحَه على فخذيهِ بالعرضِ وهو راكبٌ أو حَاملاً له عرضاً على كتفهِ في جهةِ العدُوِّ بدون اكتراثهِ به، بمنزلةِ إنكارهِ أنَّ لبني عمّهِ رماحاً، ولنْ يجدَ منهم مُقاوماً له ،كأنهم كلَّهم في نظرهِ عُزَّلٌ، ليسَ مع أحد منهم رمحٌ.
فأكَد له الكلامَ استهزاءً به، وخُوطبَ خطابَ التفاتٍ بعد غيبةٍ تهكُّماً به، ورمياً لهُ بالنزَّقِ وخرقِ الرَّأي.
(3) - تنزيلُ المنكِرِ منزلةُ الخالي، إذا كانَ لديه دلائلُ وشواهدُ لو تأمَّلها لارتدعَ وزال إنكارُه، كقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) [البقرة/163]) ، وكقولكَ لمن ينكرُ منفعةَ الطبِّ (الطبُّ نافعٌ).
(4) - تنزيلُ المترددِ منزلةُ الخالي، كقولكَ للمترددِ في قدومِ مسافرٍ معَ شهرته: قدِمَ الأميرُ.
(5) - تنزيلُ المترددِ منزلةَ المنكرِ، كقولكَ للسائلِ المستبعِدِ لحصولِ الفرجِ: إنَّ الفرجَ لقريبٌ. ونحو قوله الله تعالى: {. . أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة.
===============
الأسئلة:
- عددْ أقسامَ الخبرِ مع ذكر مثالٍ لكلِّ نوعٍ منها 1
- قد يخرج الخبرُ عن معناه الحقيقيِّ لغرض بلاغيٍّ اذكر ثلاثةَ أنواعٍ من الخبرِ خرجتْ عن معناها الحقيقيِّ مع التمثيلِ 2
- بين وجهَ خروجِ الخبر عن مقتضَى الظاهرِ فيما يأتي 3:
(ا) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} (1) سورة الحـج.
(ب) إنَّ برَّ الْوَالدَيْنِ لواجبٌ (تقولهُ لمن لا يطِيعُ والديهِ).
(ت) إِنَّ اللهَ لمُطلِّعٌ على أفعالِ العبادِ (تقولهُ لمنْ يظلمُ الناسَ بغيرِ حقٍّ).
(ث) اللهُ موجودٌ (تقولُ ذلكَ لمنْ ينكرُ وجودَ الإلهِ).
===============
المبحثُ الرابعُ
في تقسيمِ الخبر إلى جملةٍ فعليةٍ وجملةٍ اسميةٍ
(أ) - الجملةُ الفعليةُ: هي ما تركبتْ من فعلٍ وفاعلٍ، أو من فعلٍ ونائبَ فاعلٍ:
وهي موضوعةٌ لإفادةِ التّجددِ والحدوثِ في زمنٍ معينٍّ مع الاختصار ِ، نحو: يعيشُ البخيلُ عيشةَ الفقراءِ، ويحاسب ُفي الآخرةِ حسابَ الأغنياءِ. ونحو أشرقتِ الشمسُ وقدْ ولَّى الظلامُ هارباً.
فلا يستفادُ من ذلكَ إلاّ ثبوتُ الإشراقِ للشمسِ، وذهابُ الظّلامِ في الزّمانِ الماضي.
(ب) الجملةُ الاسميةُ: هي ما تركبتْ من مبتدأٍ وخبرٍ، وهيَ تفيدُ بأصلِ وضعها ثبوتَ شيءٍ لشيءٍ ليسَ إلَّا - بدونِ نظرٍ إلى تجدّدٍ ولا استمرارٍ - نحو: الأرضُ متحركةٌ - فلا يستفادُ منها سوى ثبوتِ الحركةِ للأرضِ.

=================
المبحثُ الخامس
في حقيقةِ الإنشاءِ وتقسيمِه
*- الإنشاءُ لغةً: الإيجادُ.
وفي الاصطلاحِ: ما لا يحتملُ صدقاً ولا كذباً، كالأمرِ والنهيِ والاستفهامِ والتمنِّي والنداءِ وغيرها، فإنكَ إذا قلتَ: (اللّهُمَّ ارحمْني) لا يصحُّ أن يقالَ لك: صادقٌ أو كاذبٌ، نعمْ يصحُّ ذلك بالنسبةِ إلى الخبرِ الضمنيِّ المستفادِ من الكلامِ، وهو أنكَ طالبٌ للمغفرةِ.
تعريف آخر للإنشاء: هو مالا يحصلُ مضمونهُ ولا يتحققُ إلا إذا تلفظتَ بهِ.
فطلبُ الفعلِ في: افعَلْ، وطلبُ الكفِّ في لاَ تَفْعَلْ، وطلبُ المحبوبِ في: الَّتمَنِّي، وطلبُ الفهم في: الاستفهامِ، وطلبُ الإقبالِ في النِّداء،كلُّ ذلك ما حصلَ إلا بنفسِ الصّيغِ المتلَفظِ بها.
أقسامُ الإنشاءِ
الإنشاءُ ينقسمُ إلى (طلبيٍّ) و (غيرِ طلبيٍّ).
*- الإنشاءُ غيرُ الطلبيِّ:
ما لا يستدعي مطلوباً غيرَ حاصلٍ وقتَ الطلبِ، وهو على أقسامٍ:
- المدحُ والذمُّ 1:
ويكونان بـ (نعْمَ) و (حبَّذا) و (ساءَ) و (بئسَ) و (لا حبَّذا) ، نحو قوله تعالى عن النبي أيوب عليه السلامُ: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (30) سورة ص، ونحو: (نعمَ الرجلُ زيدٌ) و ونحو قوله تعالى: {. . . وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (151) سورة آل عمران ، ونحو: (بئستِ المرأة ُأمُّ جميلٍ). ونحو قوله صلى الله عليه وسلم "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَصِيرُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً ، نِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ ".
2 - ألفاظُ العقودِ:
سواءٌ كانتْ بلفظِ الماضي، نحو: (بعتُ) و (وهبتُ) أم بغيره، نحو: (امرأتي طالقٌّ) و (عبدي حرٌّ).
3 - القَسَمُ:
سواءٌ كان بالواو أو بغيرِها، نحو: (واللهِ) و (لعمرُك). ونحو قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء ، وكقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) سورة الحجر.
4 - التعجّبُ، ويأتي قياساً بصيغةِ (ما أفعلَه) و (أفعلْ بهِ) كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا. . } (38) سورة مريم ،و نحو: (ما أحسنَ الرجلَ) و (أكرمْ بالصِّدِّيقِ)
وكقول الصِّمَّة بنُ عَبْدِ الله:
بنفسي تلْكَ الأرض ما أَطْيَب الرُّبَا! … ومَا أَحْسَنَ اَلْمُصْطَافَ والمتَرَبَّعَا
وسماعاً بغيرهِما، نحو قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) [البقرة/28]
5 - الرجاءُ:
ويأتي بـ (عسَى) و (حرَى) و (اخلولقَ) نحو قولهِ تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) [المائدة/52]
=====================
* الإنشاءُ الطلبيُّ:
هو الذي يستدعِي مطلوباً غيرَ حاصلٍ وقتَ الطلبَ حسبَ اعتقادِ المتكلِّمِ - وهو المبحوثُ عنه في علمِ المعاني، لما فيه منَ اللطائفَ البلاغيّةِ، وأنواعُه خمسةٌ الأمرُ، والنهيُ، والاستفهامُ، والتمنيِّ، والنداءُ.
000000000000000000000
الفصلُ الأولُ - في الأمرِ

*- تعريفُه: هو طلبُ حصولِ الفعل من المخاطَبِ على سبيلِ الاستعلاءِ، وهو إمَّا:
1 - بفعلِ الأمرِ نحو قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) [الإسراء/78]
2 - أو بالمضارعِ المجزومِ بلام الأمر نحو: قوله تعالى (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) [البقرة/282] ، ومثله الجملةُ نحو قولنا لمنْ ترك ركناً أو شرطاً من شروط صحةِ الصلاةِ: (يعيدُ الصلاةَ).
3 - أو باسمِ فعلِ الأمر ِنحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة/105].
4 - أو بالمصدرِ النائبِ عن فعلِ الأمرِ: نحو قوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ. . } (4) سورة محمد، ونحو قولنا: (ذهاباً إلى بيتِ اللهِ).
وقد تخرجُ صيغةُ الأمرِ عن معناها الأصليِّ ـ المتقدمِ ـ فيرادُ منها أحدُ المعاني الآتيةِ بالقرينةِ، لكنَّ الظاهر أنها مستعملةٌ في معناها الحقيقيِّ، وإنما تختلفُ الدواعي:
1 - الدُّعاءُ، نحو قوله تعالى: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) [النمل/19].
- الالتماسُ، نحو 2: (اذهبْ إلى الدار) تقوله لمنْ يساويكَ.
3 - الإرشادُ، نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة/282] ، ونحو قوله صلى الله عليه وسلم "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ". قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ "الْمَسَاجِدُ". قُلْتُ وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ "(أخرجه الترمذي).
4 ـ التهديدُ، نحو قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) [فصلت/40 ، 41].
5 ـ التعجيزُ، نحو قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة/23].
6 ـ الإباحةُ، نحو قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة/187].
7 ـ التسويةُ، نحو قوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) [الطور/16]
8 ـ الإكرامُ، نحو قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) [الحجر/46] ، وقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} (34) سورة ق.
9 - الامتنانُ، نحو قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) [النحل/114]
10 - الإهانةُ والتحقيرُ ، نحو قوله تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) [الإسراء/50] ، أو نحو قول جرير يهجو الشاعرَ النميريَّ:
فَغضَ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ. . . فَلا كَعْباً بَلَغْتَ وَلا كِلابَا
11 ـ الدوامُ، نحو قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة/6].
12 ـ التمنِّي، كقول امرئ القيس:
ألا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإصباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
13 ـ الاعتبارُ، نحو قوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) [الأنعام/99] ، ونحو قول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،: "إِذَا مَرَرْتُمْ عَلَى أَرْضٍ قَدْ أُهْلِكَ أَهْلُهَا فَاعْدُوا السَّيْرَ ". (أخرجه الطبراني)
14 ـ الإذنُ، نحو قولك: (ادخلْ) لمن طرقَ الباب. ونحو قوله تعالى لأهل الجنة: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} (46) سورة الحجر. وقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} (34) سورة ق.
15 ـ التكوينُ، نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82) سورة يــس - التكوينُ: الخلقُ.
16 ـ التخييرُ، نحو قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [النساء/3] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33) سورة المائدة.
17 ـ التأديبُ، نحو قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: "يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ "(أخرجه الشيخان).
18 ـ التعجّبُ، نحو قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) [الإسراء/48].
================
الأسئلةُ:
1. عرفِّ الإنشاءَ لغةً واصطلاحا مع التمثيل
2. عددْ أقسامَ الإنشاء مع التمثيل
3. عددْ أقسامَ الإنشاءِ غيرِ الطلبيِّ مع التمثيل
4. عرفِ الإنشاءَ الطلبيَّ مع التمثيل
5. عرفِ الأمرَ مع التمثيل
6. يكونُ الأمرُ بعدة أشياءَ عددها
7. قدْ يخرج الأمرُ عن معناه الحقيقيِّ لسببٍ بلاغيٍّ عدد خمساً من الأسبابِ البلاغيةِ قد خرج الأمرُ فيها عن معناهُ الحقيقيِّ مع التمثيل

************
الفصلُ الثاني - في النَّهي
*- تعريفُه: هو طلبُ المتكلِّمِ من المخاطبِ الكفَّ عن الفعلِ، على سبيلِ الاستعلاءِ.
أدواتُه وهي إمَّا:
1 - بصيغةِ المضارعِ المدخولِ عليها بلا الناهيةِ، كقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة/188].
2 أو بالجملةِ الدالةِ على ذلك، كقولكَ: (حرامٌ أن تفعلَ كذا) أو بلفظ نهَى. نحو قول عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ - رضى اللهُ عنه -: إِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِى يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِى شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ "إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِى "(أخرجه أبو داود). ونحو قول أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. (أخرجه البخاري).
وقد يردُ بلفظ اللعنِ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا "(أخرجه البخاري).
وقد يُستفادُ من النهيِ معانٍ أخرَ مج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
cartoon
المدير العام
المدير العام
avatar

رقم العضويه : 1
عدد المساهمات : 186
تاريخ التسجيل : 31/07/2010
الموقع : kuwait

مُساهمةموضوع: رد: الخلاصة في علوم البلاغة تأليف الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود /الجزء الاول   الأحد أغسطس 08, 2010 5:22 am

بارك الله فيك وشاكر لك على ما قدمت وجعله فى ميزان حسناتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fjar.dahek.net
 
الخلاصة في علوم البلاغة تأليف الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود /الجزء الاول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاصدقاء  :: منتدى علوم اللغة العربية-
انتقل الى: